تفريغ لمحاضرة الدكتور العلامة محمد اوالسو حفظه الله
تحت عنوان طرق إثبات مقاصد الشريعة || أ. د. محمد اوالسو.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وكل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فنواصل هذه المحاضرات في مادة مقاصد الشريعة، وقد سبق لنا أن تناولنا مباحث متعددة، بدءًا من التعريف الاصطلاحي، إلى النشأة، إلى الفوائد والآثار، إلى مدخل التعليل. واليوم نتحدث عن مبحث طرق إثبات مقاصد الشريعة.
إذن عنوان مبحث اليوم، أو عنوان محاضرتنا اليوم: طرق إثبات مقاصد الشريعة.
لا شك أن المنهج يقتضي تقديم التصورات على التصديقات، وبما أن هذا مركب إضافي، فتقتضي الصناعة المنهجية الحديث عن المصطلحات وبيان نسب التصديقات فيما بعد.
فما هي الطرق إذن؟ وما المراد بالطرق؟
الطرق مراد بها هنا الأدلة، وهذا يبين لنا أن تفكير الفقيه في الشريعة الإسلامية ليس تفكيرًا عن الهوى، وإنما هو تفكير مؤطر بأدلة شرعية، وإنما هو فهم في الشريعة بالشريعة. لذلك فإن إدراك المقاصد لا يخضع لمجرد العقل، وإنما هو تابع للأدلة الشرعية.
إذن فالطرق هنا مراد بها الأدلة الشرعية التي من خلالها تثبت المقاصد، أو تثبت إن أسندنا الإثبات للمجتهد على أنه بمعنى الإدراك.
إذن طرق إثبات مقاصد الشريعة.
الإثبات قد يُتحدث عنه هنا في سياق بمعنى الثبوت، وذلك حينما نتحدث عما ثبتت به تقاسيم المقاصد، كأن نتحدث عن دليل المراتب الثلاث: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات. فالحديث عما استقر منهجًا ومضمونًا في مقاصد الشريعة حديث عن الثبوت، وليس إثباتًا؛ لأن الثبوت أثر الإثبات، والإثبات فعل المجتهد.
فمعنى ذلك أن إثبات المقاصد، إذا كان مسندًا إلى المجتهد على أنه فعل متجدد، فالمقصود به أو المراد به ما يثبته المجتهد مما يراه مقصودًا للشارع في مسألة من المسائل، أو في فرع من الفروع.
إذن إثبات مقاصد الشريعة، حينما نقول طرق إثبات مقاصد الشريعة، فمعنى ذلك أن المقاصد مفتقرة إلى أدلة تثبت بها، وما افتقر إلى دليل لا يكون دليلًا لغيره. وهذه مسألة يمكن أن تُقتنص من سياقات الشاطبي وسياقات من كتبوا في المقاصد قبله.
ولذلك نقول: إن المقاصد معتبرة في القواعد والأصول، لكنها متأخرة عن الأحكام تنجيزًا، وإن كانت، كما قلت، متقدمة اعتبارًا. فهي متقدمة اعتبارًا، وإن كانت متأخرة تنجيزًا.
هذه إذن مصطلحات هذا العنوان لهذه المحاضرة.
ثم ننتقل إلى نقطة أخرى تتعلق بالمصلحة، بمفهوم المصلحة؛ لأن الحديث عن المقاصد حديث عن المصالح. ولذلك كان علماؤنا من المتقدمين يتحدثون عن المصالح، ويتحدثون عن المعاني، ويتحدثون عن الحكم، وأحيانًا يعبرون بالعلل، وأحيانًا يعبرون بالمناسبات.
فكانت هذه المصطلحات في كتبهم مترادفة أو متقاربة ذات سياق واحد، أي كانت ذات سياق واحد، فكانت متقاربة في الدلالة على مقاصدهم في كلامهم، في استنباطاتهم، فيما يستنبطونه من أحكام شرعية.
إذن هنا لا بد من الإشارة إلى مسألة تناولها الشاطبي في النوع الأول، وهي أنه لا توجد مصلحة خالصة، ولا مفسدة خالصة، وإنما المقصود للشرع ما غلب من ذلك، إنما الاعتبار للغالب، حتى يكون ذلك النادر أو القليل كالعدم.
وهذه مسألة فيها مناقشات للفقهاء، لا نريد الخوض في تفاصيلها، وفيما يُذكر في سياق إثباتها من الإيراد والجواب عن الإيراد، إلى غير ذلك؛ لأن الوقت المحدد لهذه المحاضرة نريد أن يستوعب جل عناصرها وأهم مباحثها.
وهنا إشارة لا بد منها، تحدث عنها علماء الأصول في سياق يدل على تأطير المقاصد بالأصول، وهي مسألة انخرام المناسبة بمفسدة راجحة أو مساوية، فإنها تنخرم.
وفي ذلك يقول السبكي في جمع الجوامع: "المناسبة تنخرم بمفسدة راجحة أو مساوية خلافًا للإمام..." إلى آخر كلامه.
هنا لا بد من بيان أمر يتعلق بمفهوم العلة، على أن العلة مطردة للمصلحة. هنا لا أتحدث عن المفهوم، فقد تقدم في المحاضرة السابقة، بل نتحدث عن حدود العلة في ذاتها، في طبيعتها، في تصور ماهيتها.
ونقف عند سؤال واحد: هل انتفاء المانع ووجود الشرط شطر من ماهية العلة، أم شرط؟
هل انتفاء المانع ووجود الشرط جزء من العلة، أم يمكن أن نقول إنه شرط لا شطر؟
هذا الذي أشرت إليه هو موضع الخلاف بين الإمام الرازي وغيره في هذه المسألة.
فحينما نقول إن المناسبة تنخرم بمفسدة راجحة أو مساوية، فهل نتيجة ذلك أنه لا مناسبة، أو لا مصلحة، أو لا حكمة؟ أم نقول إنها باقية، وإنما انعدم الحكم لوجود المانع؟
لذلك هنا يقول بعض علماء الأصول إن انتفاء المفسدة شرط في اعتبارها مصلحة. ولذلك من يقول: لا تنخرم المناسبة بمفسدة راجحة أو مساوية، يرى أن ذلك بسبب وجود المانع، وهذا خارج عن ماهية العلة.
ومن يقول إن ذلك يؤدي إلى انعدام المناسبة أصلًا، وانعدام المصلحة أصلًا، يرى أن انتفاء المانع ووجود الشرط شرط في اعتبارها مصلحة.
هناك من يراه جزءًا أو شطرًا في اعتبارها مصلحة، وهو من يقول بالانخرام.
وهذه مسألة تُراجع في المصادر الأصولية في مبحث المناسبة، الذي هو المبحث الذي تفرعت منه مقاصد الشريعة، حتى إن المناسبة في مسالك التعليل أوسع مسالك الاستنباط، وهي معتبرة في كل المسالك وجودًا أو ظهورًا.
ثم بعد ذلك نتحدث عن أدلة معرفة المقاصد.
إذن المقاصد لا بد من دليل يدل عليها، وهذه الأدلة جاءت الإشارة إليها في كلام العز بن عبد السلام في كتاب القواعد، في القاعدة الأولى من الكتاب، حين قال:
"وأما مصالح الدارين ومفاسدهما وأسبابها فلا تعرف إلا بالشرع، فإن خفي منها شيء طلب في أدلته".
ثم قال: "وأدلة الشرع هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس المعتبر، والاستدلال الصحيح".
هذه إذن أدلة منها تستنبط المقاصد، ومنها تستخرج المقاصد.
ولا بد من فهمها وفقهها؛ فإن كنا نقول أصول الفقه، فنحن في حاجة إلى فقه الأصول قبل الحديث عن المقاصد، ومعنى ذلك أن من فقه الأصول، وكان لديه فقه الأصول، هو من يمكن أن يتحدث عن المقاصد.
ولذلك نرى أيضًا أن الإمام الشاطبي رحمه الله يقول في آخر المقدمة التاسعة من مقدمات كتابه "الموافقات":
"ومن هنا لا يسمح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظر مفيد أو مستفيد حتى يكون ريان من علم الشريعة، منقولها ومعقولها، أصولها وفروعها، غير مخلد إلى التقليد والتعصب للمذهب..." إلى آخر كلامه.
إذن لا شك أن الحديث عن المقاصد يتوقف على فقه راسخ في أصول الفقه، ولذلك نرى أن الشاطبي نفسه كتب المقاصد ضمن أصول الفقه، في إشارة منهجية إلى أن هذا العلم ينتظم ضمن أصول الفقه.
ثم ننتقل إلى الطرق التي ذكرها العلماء.
فأول الطرق التي تثبت بها مقاصد الشريعة: النصوص الشرعية؛ إذ معلوم أن الألفاظ قوالب المعاني، ومن إطلاقات المعاني عند المتقدمين أنها تطلق بمعنى المقاصد.
ولما كانت الألفاظ قوالب المعاني، فإن أول ما تؤخذ منه المقاصد هو النصوص الشرعية.
وأخذ المقاصد من النصوص الشرعية يتوقف على إتقان اللغة العربية؛ ولذلك نجد الشاطبي في "الموافقات" تحدث عن قضية اللغة، مبينًا أن القرآن الكريم إنما يفهم من جهة لغة العرب.
الاستقراء هو تتبع الجزئيات لاستخراج حكم كلي، لتنزيله على جزئيات أخرى.
ومن أمثلة ذلك: تحريم المزابنة، وتحريم الغرر في المعاملات، والنهي عن الخطبة على خطبة أخيه، والنهي عن السوم على سوم أخيه.
فمن مجموع هذه الأحكام نستخلص مقاصد شرعية، مثل: حفظ المودة بين المسلمين، ودفع الغرر، وتحقيق العدالة في المعاملات.
وكذلك نجد إباحة الفطر للمسافر، وقصر الصلاة في السفر، فنستخلص قاعدة كلية وهي: المشقة تجلب التيسير.
إذن فالاستقراء من أدلة إثبات المقاصد، وهو تتبع جزئيات متعددة لاستخراج حكم كلي.
وفي الختام، فإن الأدلة في تضافرها هي الدالة على المقصود، والاستقراء إنما هو لقب للمنهج المتبع في تتبع الأدلة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عن جامعة القرويين بفاس
إرسال تعليق